الإفتتاحية
بيانات ومواقف
مقابلات
في الصحافة
قضايا وآراء
خواطر إيمانية
أنشطة
ألبوم الصور

الصفحة الرئيسية | الجماعة في سطور | المشروع السياسي | الميثاق الإسلامي | مركز الدعوة


بعد نجاح 14 شباط

هل اقتنع المتصارعون أنه لا بدّ من التفاهم؟

لم يعد يوم 14 شباط مجرد ذكرى سنوية لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، طالما أن دمه ودماء اخوانه الذين قضوا في هذا اليوم وبعده لا زال مكشوفاً وحاراً يغلي في عقول وقلوب معظم اللبنانيين، وطالما أن العدالة لم تنصف الضحايا وذوي الضحايا، وقبل ذلك وبعده لم تنصف لبنان بتقديم الجناة القتلة الى العدالة، سواء تجسّدت هذه العدالة في قضاء لبناني أو محكمة ذات طابع دولي أو غير ذلك.

وقد أضاف تفجير حافلتي الركاب يوم الثلاثاء الماضي بعداً جديداً للجريمة، ذلك أن الجاني - أياً كان وأياً كانت هويّته - لا زال مصراً على اسلوبه الدموي في التعامل مع الشأن اللبناني. فبعد اغتيال الوزير بيار الجميّل حسب الناس وألفوا أن المستهدفين هم رجال السياسة والفكر والإعلام، والوزراء والنواب.. لكن هذه الجريمة أرادت أن تقول لجميع اللبنانيين انكم مستهدفون. وحملت رسالة واضحة في زمانها الى المواطنين الذين أزمعوا المشاركة في مهرجان اليوم التالي أن حافلات النقل سوف تكون مستهدفة، وفي مكانها رسالة الى وزير الدفاع (الياس المرّ) ابن قرية بتغرين أننا وراءك، بعد الموقف الذي عبّر عنه الاسبوع الماضي في مقابلة تلفزيونية باستمراره في الحكومة وابتعاده عن الرئيس اميل لحود.

لكن الحشد الكبير من المواطنين الذين أموا ساحة الحرية صبيحة اليوم التالي من كل المناطق اللبنانية، بطواعية وسلاسة، دون اقفال طرق ولا حرق دواليب، ورغم المحاذير الأمنية التي حملتها الرسالة الدموية في اليوم السابق.. جاء ليبرهن للجميع أن الناس لا زالوا يطلبون الحقيقة، ويسعون لمعاقبة المجرمين القتلة.. وأن الذين يطلبون وضع «المحكمة» في الثلاجة واهمون، كذلك الذين يطلبون من اللبنانيين أن يكونوا بين خيارين لا ثالث لهما: المحكمة الدولية في كفة، والوحدة الوطنية والاستقرار الأمني والسياسي في الكفة الأخرى. واذا كان مثل هذا الكلام يجري تداوله في الكواليس وعبر الوسطاء فإنه محظور في الطرح السياسي العلني. فلا أحد في لبنان يرفض المحكمة، وقد عبر كل فرقاء الساحة السياسية اللبنانية عن مشاعر وجدانية في ذكرى استشهاد الرئيس الحريري، سواء في ما قالوه أو كتبوه أو عبّروا عنه بوضع الأكاليل على ضريح الرئيس الشهيد. وقد عبر أمين عام حزب الله عن هذا الموقف في الكلمة التي نشرها صبيحة يوم الذكرى وقال فيها: «لقد أجمع اللبنانيون على ادانة الجريمة، وعلى وجوب كشف الحقيقة، وعلى لزوم معاقبة القتلة، وعلى الاحساس بالفجيعة، وعلى القلق - بل الهلع - من أن ينهار بلدهم بفعل الزلزال الذي ضربه. أصبحت الحقيقة مطلباً وطنياً جامعاً، وتولدت مع الأيام مخاوف كثيرة من أن يضيع دم هذا الشهيد (...)، في يوم شهادتك نعتذر اليك إن غبنا عن إحياء ذكراك مع المحتشدين في ساحة الشهداء.. لأن ذنبنا الوحيد أننا رفضنا أن نتّهم بلا دليل، وان ندين بلا حجة..»، وكم يتمنى جميع اللبنانيين أن تتحول المشاعر الانسانية الوجدانية لدى الجميع (موالاة ومعارضة) الى فعل سياسي، لأن توجيه الاتهامات بدون بيّنة الى طرف من الأطراف شبيه بتعطيل المحكمة وترك الجناة ليريقوا مزيداً من الدماء، ويوقعوا المزيد من الخراب وتدمير الحياة العامة في البلد.

واذا كان هذا الفريق أو ذاك حريصاً على الحقيقة، وعلى وضع اليد على الجناة - أياً كانوا وأينما كانوا - فإن الطريق الى ذلك هو في انهاء التحقيق وتسهيل السبيل أمام تشكيل المحكمة، وما توافق عليه الجميع هو «محكمة ذات صبغة دولية». وقد سبق لجميع الأطراف أن رحبوا بتقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية سيرج براميرتز، وأن تقريره جاء منصفاً غير مسيّس، وقد حرص على أن لا يوزع الاتهامات وأن لا يعلن الأسماء والجهات المتهمة كأن الحكم القضائي قد صدر بحقها، لكن هذا الترحيب كان ينبغي أن يعقبه ترحيب بتشكيل المحكمة، وتوافق على نظامها.

واليوم.. بعد مرور سنتين على جريمة الاغتيال، وعلى صراعات سياسية وتفجيرات ارهابية واغتيالات متنقلة، وعلى شل حركة البلد والتلويح بالحرب الأهلية على خلفيات طائفية، من حق اللبنانيين أن يتلفتوا يميناً ويساراً ليتبيّنوا أين هم من كشف مسلسل الجرائم المروّعة التي ألمت بالبلد، فالمؤسسات الدستورية باتت مقسمة، والأجهزة الأمنية كذلك، والمواطنون موزعون بين ساحتين متجاورتين (ساحة الشهداء ورياض الصلح) يفصل بينهما «خط ماجينو» الذي أقامه الجيش اللبناني ضماناً لعدم التداخل والاتصال أو التراشق والاحتكاك. ومع كل هذا لا زال كثير من السياسيين اللبنانيين يتهيّبون الاقتراب من «العرقنة» قياساً على النموذج العراقي في الانقسام الداخلي، الذي بقي منه عمليات القتل الجماعي وتفجير الساحات وأماكن العبادة.

لقد تأكد للجميع أن من ارتكب ويرتكب كل ما سبق من جرائم هو عدو للبنان ولجميع اللبنانيين، وأثبتت كل تقارير المحققين الدوليين (من ميليس الى براميريتز) وجود خيوط تربط بين الجرائم والتفجيرات والاغتيالات، بدءاً من محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة حتى تفجير الحافلتين قرب بكفيا. وأن اللبنانيين والمجتمع الدولي والعدالة الانسانية، كل هؤلاء لن يسكتوا على طمس معالم هذه الجرائم. فالعالم اليوم ليس غابة، واذا كانت بعض الأوساط لا زالت تتحدث عن صفقة هنا وتسوية هناك فإن ذلك لن يمس جوهر القضية التي هي المحكمة، بل يدور حول تحسين الشروط وحماية بعض الرؤوس، سواء داخل البلد أو خارجه. وهذا لا مصلحة للبنان أو اللبنانيين أو للقضايا الكبرى فيه. خاصة أنه يتناول تقديم تنازلات مبدئية، سواء على مستوى القضية الفلسطينية أو العراقية.

على أي حال، لقد مضى يوم 14 شباط لهذا العام بسلام والحمد لله. وقد ساعدت العناية الإلهية في نجاحه باحتباس المطر الذي هطل بغزارة سواء في اليوم الذي قبله أو في اليوم الذي بعده. وكانت الحكومة (ومعها تيار 14 آذار) تحتاجه من أجل اثبات جماهيريتها واتساع تمثيلها الشعبي، الى جانب الاعتصام المستمر منذ أشهر في الوسط التجاري من بيروت، دون أن يحقق أي تقدم، لا على المستوى الشعبي ولا السياسي ولا بالنسبة لاهتزاز الوضع الحكومي. فهل يشكل هذا اليوم محطة للمراجعة واعادة النظر، والانطلاق باتجاه لبنان جديد؟! نأمل ذلك.

 

 


جميع الحقوق محفوظة ©  2003