|
إبراهيم المصري نائب الأمين العام للجماعة الإسلامية:
الكيان الصهيوني لا يخضع للمواثيق الدولية ولا الأخلاقية
والولايات المتحدة تحمي عدوانه باستعمال
تتباين روى القوى السياسية اللبنانية حول العدوان الإسرائيلي على لبنان ومبرراته. وقد أجرى مراسل «إخوان أون لاين» هذا اللقاء مع نائب الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان (إبراهيم المصري) من أجل توضيح رؤية الجماعة لما يدور، وشرح وجهة نظرها في تداعيات الأحداث الجارية:
- تعرَض لبنان لهجمة إسرائيلية شرسة بعد تنفيذ حزب الله عملية اختطاف اثنين من الجنود الاسرائيليين في الجنوب اللبناني. ما هي مبررات هذه العملية التي تسببت في كل ما وقع بعدها؟
* علينا أن نتذكر أن عملية اختطاف الجنديين الإسرائيليين قرب قرية علما الشعب في الجنوب اللبناني، كانت مسبوقة باختطاف جندي إسرائيلي في غزة يوم 25/6 الماضي. وقد حاولت المنظمات الفلسطينية التي اختطفت هذا الجندي مبادلته بعدد من الأسرى من النساء والأطفال. لكن العدوّ الإسرائيلي رفض عملية التبادل، وبدأ هجوماً كاسحاً على المدنيين الأبرياء في قطاع غزة، واعتقل عدداً من وزراء الحكومة الفلسطينية ونواب حركة حماس في المجلس التشريعي.
نتذكر جميعاً كيف كان الفلسطينيون المحاصرون يطلقون صيحات الاستغاثة والنصرة إلى العالمين العربي والإسلامي. وبما أن المنطقة الوحيدة التي تستطيع أن تفعل شيئاً في هذا المجال هي الجنوب اللبناني بفعل وجود المقاومة الإسلامية على حدود فلسطين المحتلة، فقد أقدم حزب الله على تنفيذ عملية سقط بنتيجتها عدد من القتلى الصهاينة، واختطف اثنان من الجنود الإسرائيليين.
هنا بدأت القوات الإسرائيلية عدوانها على لبنان، تحت ذريعة استعادة أسراها، لكنها بدأت عملية تدمير للجسور والمؤسسات العامة، وحاصرت لبنان جواً وبحراً وبراً، وأعلنت شروطها لوقف إطلاق النار بتسليم الجنديين، ونزع سلاح حزب الله ونشر الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية.
- يتردد في بعض الأوساط أن حزب الله نفّذ عملية الاختطاف بناءً لتعليمات من إيران أو سورية. ما رأيكم بهذا الاحتمال؟
* حزب الله تربطه علاقات وطيدة بكل من إيران وسوريا، لكني على ثقة بأنه لا يمكن أن ينفذ عملية تكلفه ما تحمّله خلال الأيام الماضية لولا أنه مقتنع بجدواها، وأنها جزء من خطه السياسي والعقائدي بدعم المقاومة الفلسطينية وتخفيف الضغط الإسرائيلي عنها.
- بالمنطق الوطني، ألا توافق وجهة النظر التي تقول إن الحزب أضاع على لبنان مكاسب اقتصادية كبيرة، من خلال ضرب موسم السياحة، ودفع إسرائيل إلى تدمير البنى التحتية اللبنانية؟
* إن العملية التي نفّذها حزب الله تستهدف تحرير أسرى تعتقلهم إسرائيل منذ سنوات، سواء منهم اللبنانيون أو الفلسطينيون، وينبغي أن نحاسب حزب الله على الغاية التي من أجلها اختطف الجنود الإسرائيليين. أما ما فعلته إسرائيل بعد ذلك من تدمير للبنية التحتية اللبنانية وتقتيل للأبرياء، فذلك نتيجة سكوت العالم على الجرائم الإسرائيلية، سواء كانت على الأراضي اللبنانية أو الفلسطينية.
وانطلاقاً من هذا يمكن القول إن العالمين العربي والإسلامي والعالم كله مسؤول عن إتاحة الفرصة للكيان الصهيوني حتى يعربد في الأراضي العربية الفلسطينية واللبنانية، ويسخّر آلته العسكرية من أجل قتل الأبرياء والآمنين وتدمير منازلهم وتهديم طرقهم ومؤسساتهم.
- لكن المنطق الدولي يقول إن حزب الله هو الذي اعتدى على إسرائيل باختطاف الجنود من داخل الخط الأزرق؟
* هناك جزء من الأرض اللبنانية لا زالت محتلة في الجنوب اللبناني هي مزارع شبعا. يقول الكيان الصهيوني إنه احتلها عند احتلال الجولان، وكانت ضمن الأراضي السورية، بينما لبنان يعتبر أن مزارع شبعا تابعة لمدينة شبعا اللبنانية باتفاق الجميع. وعلى هذا فإن هناك أرضاً لبنانية لا تزال محتلة، وهناك أسرى لبنانيون لا تزال إسرائيل تعتقلهم بغير حق، والقانون الدولي يعطي المقاومة حقّ مواجهة المحتل على اعتبار أن هذا الاحتلال غير شرعي، وأن من حق المقاومة أن تنفّذ عملياتها ضدّ جيش الاحتلال طالما أنه يحتل أيّ شبر من الأراضي اللبنانية ويحتجز أي انسان لبناني بغير حق.
- وكيف تقرأ موقف الحكومة اللبنانية من عملية حزب الله؟
* لا زالت الحكومة اللبنانية تستجمع قدراتها وتوحّد مؤسساتها بعد فترة الحرب اللبنانية الطويلة. وبروز ظاهرة المقاومة في لبنان كان في غياب الدولة وغياب الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية، ولعلّ هذا هو الذي أتاح للبنان أن تبرز فيه مقاومة حرّة استطاعت تحرير جزء كبير من أرضه المحتلة وطرد قوات الاحتلال بدون شروط ولا تنازلات ولا اتفاقيات. وهذا ما لم تستطع الأقطار العربية الأخرى التي كانت أو التي لا زالت أراضيها محتلة. وقد أعلنت الحكومة اللبنانية أنها غير مسؤولة عن اختطاف الجنديين الإسرائيليين، وأنها لم تستشر في العملية التي نفذها حزب الله، وهذا الإجراء طبيعي لأن المقاومة تتصرف بمنأى عن الحكومة اللبنانية حتى لا تحمّلها تبعات ما تقوم به. وقد فعلت الحكومة اللبنانية ذلك حتى لا تتحمّل مسؤولية رسمية في هذا المجال. لكن العدوّ الإسرائيلي لم يقدّر هذا الجانب، واعتبر أنه في حالة حرب مع كل لبنان، حكومة وشعباً ومؤسسات وأبنية وجسوراً، إلى آخر ما جرى تخريبه على الساحة اللبنانية.
- لو كان حزب الله يدرك حجم ردة الفعل الإسرائيلية، هل كان لينفّذ العملية؟
* هذا السؤال يبدو وارداً بنسبة كبيرة، لأن حزب الله قدّر مبررات العملية التي قام بها، لكنه لم يتوقع أن الإجرام الصهيوني سوف يكون بهذا الحجم، وأن العالم سوف يكون بهذا الصمم والعمى والانحياز إلى جانب المعتدي، بصرف النظر عن الضحايا الذين أوقعهم في لبنان، فضلاً عما وقع سابقاً على الأراضي الفلسطينية. وأظن أن من حق القوى الإسلامية الجادّة التي تحمل عبء مواجهة المشروع الصهيوني أن تبذل كل ما تستطيع في هذا المجال، وهي معرّضة لاحتمالات الخطأ والصواب، شأنها كشأن كل من يبذل جهداً في السعي لإحقاق الحقّ وإنكار الباطل.
- كيف تنظرون إلى الموقف العربي من عملية المقاومة وما جرى بعدها؟
* العالم العربي - مع الأسف الشديد - يبدو رهين القرار الأمريكي إلى حدّ كبير. وقد صدمتنا بعض المواقف العربية التي ألقت باللائمة على كاهل المقاومة الإسلامية في لبنان أو فلسطين لأنها دخلت مغامرة غير محسوبة، أو لأنها لم تستشر الأنظمة العربية في ما تفعل. وهنا أودّ أن أقول إن هذه المقاومة، إنما تقوم بواجب هو بالأصل ملقى على كاهل الأنظمة العربية وجيوشها، ولم تأخذ المقاومة هذا الدور إلا بعد تخلّي الدول العربية عن مسؤوليتها إزاء المستضعفين في فلسطين وفي غيرها. ولقد اجتمع مجلس وزراء الخارجية العرب في إطار جامعة الدول العربية وخرج بتوصيات لا تقدّم ولا تؤخّر. وأنا أتمنى لهذه الأنظمة العربية إذا كانت عاجزة عن أن تقدّم خيراً لجماهيرها، فلا أقلّ من أن تحجب إساءاتها عن هذه الجماهير، نتيجة تخلّيها عن القضايا المصيرية التي تتصدى لها المقاومة.
- هل تعتقد أن إسرائيل تجاوزت الخطوط الحمراء بقصف مراكز حزب الله في الضاحية الجنوبية، وبالتالي هي تجاوزت السقف ولم يعد لديها ما تهدّد به؟
* إن الارتكابات التي نفذها الكيان الصهيوني على الأراضي اللبنانية تشكل خرقاً لكل الخطوط الحمر المعترف بها دولياً، والمشكلة الكبرى تتمثل في أن إسرائيل دولة لا تخضع لا للضوابط الدولية ولا الأخلاقية وللقانون الدولي. وعلى هذا فإن إسرائيل تعرف أن الإدارة الأمريكية تحمي عدوانها في إطار مجلس الأمن الدولي عن طريق الفيتو الذي تطرحه دائماً في مواجهة أيّ قرار يطال الكيان الصهيوني، سواء كان ضدّ لبنان أو ضدّ الشعب الفلسطيني.
أما بالنسبة للمعادلة التي كانت قائمة بين الكيان الصهيوني والمقاومة الإسلامية في الجنوب اللبناني، فقد حرصت إسرائيل على أن تنسفها من أساسها عندما ضربت مراكز الحزب في بيروت وبقية المناطق اللبنانية، رغبة منها في إقامة معادلة جديدة تقوم على الهيمنة الكاملة على القرار اللبناني، بما في ذلك قرار المقاومة الإسلامية. لكني أرى وأتمنى أن لا نصل إلى هذا المستوى، على الرغم من كل التضحيات التي قدّمها ويقدّمها اللبنانيون في صراعهم مع الكيان الصهيوني.
- كم تتوقعون أن تستمر المعركة؟
* يبدو أن أفق المعركة مفتوح حتى الآن، خاصة بعد الاجتماع الذي عقده مجلس الأمن الدولي ولم يصدر قراراً، لا بوقف إطلاق النار ولا بالعمل على إيجاد تسوية تنهي العدوان. ولقد ألقى الرئيس فؤاد السنيورة كلمة وجدانية طالب فيها بوقف النار فوراً، لكن المشكلة أن الشروط الإسرائيلية تبدو تعجيزية عندما تطالب بتسليم الأسيرين الإسرائيليين وبوقف إطلاق النار من جانب حزب الله وبتجريد الحزب من سلاحه. وما دامت الإدارة الأمريكية تدعم هذه المطالب فإن حزب الله لا يمكن أن يستجيب لها، وبالتالي فإن أفق المعركة مفتوح على كل الاحتمالات، والشعب اللبناني يدفع الثمن من تهديم مؤسساته وإزهاق أرواح مواطنيه الأبرياء.
- أصدرت الجماعة الإسلامية بيانات باركت عملية حزب الله ودعت إلى رصّ الصف الوطني وتجاوز الخلافات والتصدي للعدوان الإسرائيلي. هل هذا يعني أن الجماعة في حالة تحالف مع الحزب والمقاومة الإسلامية؟
* تقدّر الجماعة مبررات حزب الله في العملية التي نفّذها من أجل تبادل أسرى يشمل الإخوة الفلسطينيين، ولقد أصدرت عدة بيانات طالبت فيها القوى السياسية اللبنانية برصّ صفوفها من أجل توفير جبهة وطنية موحّدة في مواجهة العدوان. يضاف إلى هذا أن الجماعة تنسق مع حزب الله عسكرياً في بعض مناطق الحدود المشتركة ضمن إطار المقاومة الإسلامية. وهذه المشاركة لا تزال مستمرة، لاسيما في القرى التي تشهد تواجداً للجماعة الإسلامية على المناطق الحدودية.
- وماذا عن حركة الجماعة في بقية المناطق اللبنانية؟
* بدأت الجماعة منذ أيام نشاطاً إغاثياً واجتماعياً من خلال مؤسساتها الخيرية في الجنوب والشمال والبقاع وبيروت، عبر استقبال الوافدين من القرى الحدودية وتقديم العون لهم، عن طريق إيوائهم وتوفير أسباب الحياة الكريمة لهم، حتى تنقضي أيام المحنة.
|